ابن عجيبة

591

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فمن ترك شيئا للّه عوضه اللّه مثله ، أو أحسن منه . وكذلك فعل الحق تعالى بيوسف عليه السّلام قد زوجه زليخا على ما يأتي إن شاء اللّه . وحدثني شيخ شيخى مولاي العربي رضى اللّه عنه ، أنه وقف على حكايات تناسب هذا ؛ وهو أن رجلا صالحا تعلق قلبه بابنة الملك ، فلما رأى نفسه أنه لا يقدر على تزوجها تلطف حتى دخل عليها في قبتها ليلا ، فوجدها نائمة على فراشها ملقى على وجهها رداؤها ، وشمعة تشعل عند رأسها ، وأخرى عند رجلها ، وطعام موضوع عندها . فكشف عن وجهها فرأى من الجمال ما أبهر عقله ؛ فجعل يتردد في نفسه ، ويخاصمها على فعل الفاحشة ، فبينما هو كذلك إذ أبصر لوحا فوق رأسها مكتوبا فيه وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً « 1 » ، فتاب للّه تعالى عليه ، وزجر نفسه عن هواها ، فوضع يده في ذلك الطعام ليأكل منه ، وترك فيه أثرا ، فلما أفاقت البنت رأت أثر اليد في الطعام ، فسألت أهل الدار ، فكلهم قالوا : ما دخل عليك أحد منا ، فتيقنت أن رجلا دخل عليها ، وكان يخطبها كثير ممن له الرئاسة والجاه ، فخافت على نفسها من أن يطرقها أحد منهم فيغضبها ، فقالت لأبيها : لا بد أن تزوجني ، فقال في نفسه : واللّه لا أزوجها الا لرجل صالح ، فخرج مختفيا إلى المدرسة ، فأتى بعض الناس ، فقال : سمعت هنا برجل صالح ، فأردت أن أزوره ؛ فأشار إلى ذلك الرجل الذي دخل على بنته ثم سأل ثانيا ، وثالثا ، فكلهم أشار إليه ، فأتى إليه فقال له : إن لي بنتا جميلة خطبها منى كثير من الناس ، فأردت أن أزوجكها ، فجهزها بما يليق بها ، وزوجها إياه . ه . وذكر ابن عرضون : أن رجلا كان بالقيروان من العلماء الأتقياء ، يقال له شقران ، وكان جميل الصورة ، فهوته امرأة ، فأرسلت إلى عجوز ، وأسرت إليها أمره على أن توصله إليها ، فأتت إليه العجوز ، وقالت : عندي ابنة مريضة ، وأرادت أن توصى ، وعسى أن تصل إليها وتدعو لها ، فلبس ثيابه ، ومشى معها إلى أن وصلت إلى الدار فأدخلته ، فوجد صبية جميلة ، فقالت له : هلمّ ، فقال : إني أخاف اللّه رب العالمين . فقالت له العجوز : هيهات يا شقران ، واللّه لئن لم تفعل لأصيحنّ ، وأقول : إنك دخلت علينا وعارضتنا ، فقال لها : إن كان ولا بد فدعينى حتى أدخل الحجرة ، فقالت له : افعل ما بدا لك ، فدخل الحجرة ، فقال : اللهم إنها ما هوت منى إلا صورتي فغيّرها ، فخرج من الحجرة ، وقد ظهر عليه الجذام . فلما رأته ، قالت : اخرج ، فخرج سالما . وهذه الحكاية مشهورة ببلاد القيروان . ه . قلت : وقد نزل بنا في حال شبابنا كثير مما يشبه هذا ، فحفظنا اللّه بمنّه وكرمه وحسن رعايته . فلله المنة والحمد ، لا أحصى ثناء عليه .

--> ( 1 ) من الآية 2 من سورة الطلاق .